محمد محمد أبو موسى

193

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

ثم تكلم عبد القاهر عن انتزاع الشبه العقلي من أمور عدة وذكر الآية المشهورة في هذا الباب وهي قوله تعالى : « مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ » « 206 » وحللها تحليلا لم يسبق به في دراسات التشبيه الكثيرة التي سبق بها وبين في بصر وذكاء قيمة القيود في رسم صورة التشبيه وكيف روعى في الحمار فعل مخصوص وهو الحمل وكيف روعى في المحمول خصوصية معينة وهي كونه أسفارا للحكمة . ثم يذكر صورة للشبه المنتزع من أمرين لا يقع فيهما هذا التشابك ولا هذا الاختلاط وهو التشبيه المتعدد ، وذلك قولهم : هو يصفو ويكدر ويمر ويحلو ، وواضح أن هذه الصور من الاستعارة . ثم يذكر أن الشبه قد ينتزع من الشيء لأمر يرجع إلى نفس ذلك الشيء ، وذلك كتشبيه الكلام بالعسل في الحلاوة ، فإذا كان وجه الشبه يرجع إلى ميل النفس وهي الصفة المشتركة بين الطرفين فإننا نجد أن الكلام نفسه يوصف بهذه الصفة ، والعسل نفسه يوصف بهذه الصفة . وقد ينتزع الشبه من الشيء لأمر لا يرجع إلى نفسه ومثاله أن يتعدى الفعل إلى شئ مخصوص يكون له من أجله حكم خاص كقولهم : هو كالقابض على الماء ، فان الوجه لا ينتزع من القبض نفسه وانما ينتزع مما بين القبض والماء . يقول عبد القاهر في هذا : « واعلم أن الشبه إذا انتزع من الوصف لم يخل من وجهين : أحدهما أن يكون لأمر يرجع إلى نفسه ، والآخر أن يكون لأمر لا يرجع إلى نفسه . فالأول ما مضى من نحو تشبيه الكلام بالعسل في الحلاوة ، وذلك أن وجه الشبه هناك أن كل واحد منهما يوجب في النفس لذة وحالة محمودة ، ويصادف منها قبولا . وهذا حكم واجب للحلاوة من حيث هي حلاوة أو للعسل من حيث هو عسل » .

--> ( 206 ) الجمعة : 5